محمد جمال الدين القاسمي
424
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
شاقة . لأن مفارقة الإلف ، بعد طمأنينة النفس إليه ، أمر شاق جدا . إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ قلوبهم . فأيقنوا بتصديق الرسول وأن كل ما جاء به فهو الحق الذي لا مرية فيه . وأن الله يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد . فله أن يكلف عباده بما شاء وينسخ ما يشاء . وله الحكمة التامة والحجة البالغة في جميع ذلك ، بخلاف الذين في قلوبهم مرض ، فإنه كلما حدث أمر ، أحدث لهم شكا . كما يحصل ، للذين آمنوا ، إيقان وتصديق . كما قال تعالى : وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زادَتْهُ هذِهِ إِيماناً ، فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهُمْ إِيماناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ وَماتُوا وَهُمْ كافِرُونَ [ التوبة : 124 - 125 ] . وقال تعالى وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَساراً [ الإسراء : 82 ] . وقوله تعالى : وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ هذا تطمين لمن صلى إلى بيت المقدس من المسلمين ومن أهل الكتاب قبل النسخ . وبيان أنهم يثابون على ذلك . وقد روى البخاري « 1 » من حديث أبي إسحاق المتقدم عن البراء : وكان الذي مات على القبلة ، قبل أن تحوّل قبل البيت ، رجال قتلوا . لم ندر ما نقول فيهم ، فأنزل الله وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ [ البقرة : 143 ] ، أي صلاتكم . وإنما عدل إلى لفظ الإيمان ، الذي هو عام في الصلاة وغيرها ، ليفيدهم أنه لم يضع شيء مما عملوه ، ثم يصح عنهم ، فيندرج المسؤول عنه اندراجا أوليا ، ويكون الحكم كليا . وذكر بلفظ الخطاب دون الغائب ، ليتناول الماضيين والباقين ، تغليبا لحكم المخاطب على الغائب في اللفظ ، وفي تتمة الآية إشارة إلى تعليل عدم الإضاعة ، بما اتصف به من الرأفة المنافية لما هجس في نفوسهم من الإضاعة . ولما انطوى النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم على إرادة التوجه إلى الكعبة ، لأنها قبلة أبيه إبراهيم ومفخرة العرب ومزارهم ومطافهم ، ولمخالفة اليهود - أجابه الحق إلى ذلك بقوله :
--> ( 1 ) أخرجه البخاريّ في : التفسير ، 2 - سورة البقرة ، 12 - سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النَّاسِ . . . ونصه : عن البراء رضي اللّه عنه أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم صلى إلى بيت المقدس ستة عشر شهرا أو سبعة عشر شهرا . وكان يعجبه أن تكون قبلته قبل البيت . وأنه صلى أول صلاة صلاها صلاة العصر . وصلى معه قوم . فخرج رجل ممن كان صلى معه فمرّ على أهل المسجد وهم راكعون . قال أشهد باللّه لقد صليت مع النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم قبل مكة : فداروا كما هم قبل البيت وكان الذي مات على القبلة قبل أن تحوّل قبل البيت رجال قتلوا ، لم ندر ما نقول فيهم . فأنزل اللّه : وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ .